محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
161
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
خدعته خدعا وخدعا وخديعة ؛ والمخادعة مفاعلة من الخدع ؛ والمفاعلة إنّما تكون بين اثنين إلّا في قليل من المواضع ، كما تقول : سافرت وطارقت النعل ؛ وقد قال اللّه تعالى : وَقاسَمَهُما قيل : أي حلف لهما ، ولم يحلفا له ؛ ويقال : فلان يخادع الناس ، أي يخدعهم ، قال أبو عبيدة ؛ ويقال : قاتله اللّه ، أي قتله اللّه . فعلى هذا المعنى يخادعون بمعنى يخدعون وهو أنّهم يظهرون خلاف ما يضمرون ؛ وعلى وجه المفاعلة ( 66 ب ) الخداع منهم أنّهم يعملون في دين اللّه ما هو الخداع فيما بينهم ؛ وقيل : يعملون عمل المخادع ؛ وقال الزجّاج : إنّهم لمّا أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر صار يقينهم خداعا ؛ وقيل : يخادعون اللّه في ظنونهم ؛ وقيل : يخادعون رسول اللّه والمؤمنين ؛ فأضاف إلى اللّه تعالى تعظيما للأمر ، كما قال : يُحارِبُونَ اللَّهَ ، يُؤْذُونَ اللَّهَ . وقيل : إنّ ذكر اللّه في هذه الكلمة تحسين وتزيين للكلام ؛ لأنّ الافتتاح باسمه أحسن وفيه تشريف للمؤمنين ، كما قال : فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ . [ التفسير ] قال ابن عبّاس في رواية الكلبي : يخادعون اللّه ، أي يخالفون اللّه ويكذّبونه بقلوبهم ؛ وحكى ثعلب عن ابن الأعرابي : أصل الخداع الفساد ، ومعنى يخادعون أي يفسدون ما يظهرون من الإيمان بما يضمرون من الكفر ؛ ومعنى قوله تعالى في سورة النساء : وَهُوَ خادِعُهُمْ أي جاراهم على الخداع ، وفعل بهم ما هو في صورة الخداع ، حيث أمدّهم بالأموال ، وسائر ما يتمتّعون به ، ثمّ أخفى عواقبهم عنهم . وقيل : تخليبه 444 إيّاهم « 1 » مع مكرهم وخداعهم ، مكر وخداع بهم . أوحى اللّه تعالى إلى داود - عليه السلام - « ألا ترى المنافق كيف يخادعني وأنا أخدعه ، ويسبّحني بطرف لسانه وقلبه بعيد منّي ؟ » ومعنى أخدعه أي أمهله ولا أعاجله بالعقوبة . وقوله : وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ كما يقول : قاتل فلان فلانا فما قتل إلّا نفسه ، أي رام صاحبه ، فلم يتمكّن منه وعاد وبال فعله إليه ؛ وقيل إنّما يخادع من لا يعلم البواطن ، فأمّا من
--> ( 1 ) . س : تحليته وامامهم . والصحيح ما أثبتناه .